النويري

255

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأنا جرّأتك علىّ باحتمالك ، فإن كنت للذنب متعمّدا فقد شاركتك فيه ، وإن كنت مغلوبا فالعفو يسعك ؛ فقال له صاحب مرو : عظم ذنبي يمنع قلبي من الهدوء ؛ فقال أبو مسلم : يا عجبا ، أقابلك بإحسان وأنت تسىء ، ثم أقابلك بإساءة وأنت تحسن ! فقال صاحب مرو : الآن وثقت بعفوك . ومن كلام جماعة من أمراء الدولتين خطب يوسف بن عمر فقال : اتقوا اللَّه عباد اللَّه ، فكم من مؤمّل أملا لا يبلغه ، وجامع مالا لا يأكله ، ومانع ما سوف يتركه ؛ ولعلَّه من باطل جمعه ، ومن حقّ منعه ؛ أصابه حراما ، وورّثه عدوّا ؛ واحتمل إصره ، وباء بوزره ، وورد على ربّه آسفا لاهفا « خسر الدّنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين » . وقام خالد بن عبد اللَّه القسرىّ « 1 » على المنبر خطيبا ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، وصلَّى على النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، ثم قال : أيها الناس ، نافسوا في المكارم ، وسارعوا إلى المغانم ، واشتروا الحمد بالجود ، ولا تكسبوا بالمطل ذمّا ، ولا تعتدّوا « 2 » بالمعروف ما لم تعجّلوه ، ومهما يكن لأحدكم عند أحد نعمة فلم يبلغ شكرها فاللَّه أحسن لها جزاء ، وأجزل عليها عطاء ؛ واعلموا أنّ حوائج الناس إليكم نعمة من اللَّه عليكم ؛ فلا تملَّوا النعم فتحوّل نقما ؛ واعلموا أنّ أفضل المال ما أكسب أجرا ، وأورث ذكرا ؛ ولو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسرّ الناظرين ، ولو رأيتم البخل رجلا رأيتموه مشوّها قبيحا ، تنفر عنه القلوب ، وتغضّ عنه الأبصار ؛ أيها الناس ، إنّ أجود الناس من أعطى من لا يرجوه ، وأعظم الناس عفوا من عفا عن

--> « 1 » في الأصل : « الفشيرى » بشين معجمة بعدها ياء مثناة ، وهو تحريف . « 2 » في الأصل : « تقعدوا » ؛ وهو تحريف .